القاضي عبد الجبار الهمذاني
153
المنية والأمل
« السلف » ، في أن القدر خيره وشره من اللّه تعالى ، فإن هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم . والعجب ، أنه حمل هذا اللفظ ، الوارد في الخير ، على البلاء والعافية ، والشدة والرخاء ، والمرض والشفاء ، والموت والحياة « 1 » . . . . إلى غير ذلك من أفعال اللّه تعالى ، دون الخير والشر ، والحسن والقبيح ، الصادرين من اكتساب العباد . وكذلك أورده جماعة من المعتزلة في المقالات عن أصحابهم . القاعدة الثالثة : القول بالمنزلة بين المنزلتين ، والسبب فيه أنه دخل واحد على « الحسن البصري » ، فقال : يا إمام الدين ! لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر ، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة ، وهم « وعيدية الخوارج » ، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر ، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان ، بل العمل على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان ، ولا يضر مع الإيمان معصية ، كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، وهم « مرجئة الأمة » ، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا ؟ فتكفر « الحسن » في ذلك ، وقبل أن يجيب ، قال « واصل بن عطاء » : أنا لا أقول : إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا . ولا كافر مطلقا ، بل هو في منزلة بين المنزلتين ، لا مؤمن ولا كافر ، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد ، يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب « الحسن » ، فقال الحسن « اعتزل عنا واصل » فسمي هو أصحابه « معتزلة » . ووجه تقريره أنه قال : إن الإيمان عبارة عن خصال خير ، إذا اجتمعت سمّى المرء مؤمنا ، وهو اسم مدح ، والفاسق لم يستجمع خصال الخير ، ولا أستحق اسم المدح ، فلا يسمى مؤمنا ، وليس هو بكافر مطلقا أيضا ، لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه ، لا وجه لإنكارها ، لكنه إذا خرج من الدنيا ، على كبيرة ، من غير توبة ، فهو من أهل النار خالدا فيها ، إذ ليس في الآخرة إلا فريقان : « فريق في الجنة ، وفريق في السعير » « 2 » لكنه يخفّف عنه العذاب ،
--> ( 1 ) الملل والنحل ص 52 ( 2 ) الشورى : ( 7 )